الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

193

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

روى البخاري عن ابن عباس : « ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر : أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا ، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت » ، وعن محمد بن كعب : هي أسماء أبناء خمسة لآدم عليه السلام وكانوا عبّادا . وعن الماوردي أن وَدًّا أول صنم معبود . والآية تقتضي أن هذه الأنصاب عبدت قبل الطوفان وقد قال بعض المفسرين : إن هذه الأصنام أقيمت لبعض الصلحاء من أولاد آدم . وقال بعضهم : كانوا أصناما بين زمن آدم وزمن نوح . ولا يلتئم هذا مع حدوث الطوفان إذ لا بد أن يكون جرفها وخلص البشر من الإشراك بعد الطوفان ، ومع وجود هذه الأسماء في قبائل العرب إلى زمن البعثة المحمدية ، فقد كان في دومة الجندل بلاد كلب صنم اسمه ( ودّ ) . قيل كان على صورة رجل وكان من صفر ورصاص وكان على صورة امرأة ، وكان لهذيل صنم اسمه ( سواع ) وكان لمراد وغطيف ( بغين معجمة وطاء مهملة ) بطن من مراد بالجوف عند سبأ صنم اسمه يَغُوثَ ، وكان أيضا لغطفان وأخذته ( أنعم وأعلى ) وهما من طيئ وأهل جرش من مذحج فذهبوا به إلى مراد فعبدوه ، ثم إن بني ناجية راموا نزعه من أعلى وأنعم ففروا به إلى الحصين أخي بني الحارث من خزاعة . قال أبو عثمان النهدي : رأيت يغوث من رصاص وكانوا يحملونه على جمل أحرد ( بالحاء المهملة ، أي يخبط بيديه إذا مشى ) ويسيرون معه ولا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك فإذا برك نزلوا وقالوا : قد رضي لكم المنزل فيضربون عليه بناء ينزلون حوله . وكان يغوث على صورة أسد . وكان لهمدان صنم اسمه يَعُوقَ وهو على صورة فرس ، وكان لكهلان من سبأ ثم توارثه بنوه حتى صار إلى همدان . وكان لحمير ولذي الكلاع منهم صنم اسمه ( نسر ) على صورة النسر من الطير . وهذا مروي في « صحيح البخاري » عن ابن عباس . وقال : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح إلى العرب ا ه . فيجوز أن تكون انتقلت بأعيانها ويجوز أن يكون العرب سموا عليها ووضعوا لها صورا .